ابن أبي أصيبعة

20

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

وجعل في قدح آخر قطعة ، وصب عليها ماء بثلج ، وقال : هذا أكل أمير المسلمين إن لم يخلط السمك بغيره . وجعل في القدح الثالث قطعة من السمك ومعها قطعة من اللحم من ألوان مختلفة ، ومن شواء وحلوى وبوارد وفراريج وبقول ، وصب عليه ماء بثلج ، وقال : هذا طعام أمير المسلمين إن خلط السمك بغيره . ورفع الثلاثة الأقداح إلى صاحب المائدة ، وقال : احتفظ بها إلى أن ينتبه أمير المؤمنين من قائلته . قال " سليمان " الخادم : ثم أقبل " جبريل " على السمكة ، فأكل منها حتى تضلع ، وكان كلما عطش دعا بقدح من الخمر الصرف فشربه ، ثم نام . فلما انتبه " الرشيد " من نومه ، دعاني وسألني عما عندي من خبر " جبريل " وهل أكل من السمكة شيئا أم لم يأكل ؟ فأخبرته بالخبر ، فأمر بإحضار الثلاثة الأقداح ، فوجد الذي قد صب عليه " الخمر الصرف قد تفتت ولم يبق منه شئ . ووجد الذي صب عليه " « 1 » الماء بالثلج قد ( ربا ) « 2 » وصار على أكثر من الضعف مما كان ، ووجد القدح الذي السمك واللحم فيه قد تغيرت رائحته وحدثت له ( سهوكة ) « 3 » شديدة . فأمرني " الرشيد " بحمل خمسة آلاف دينار إلى " جبريل " ، وقال : من يلومنى على محبة هذا الرجل الذي يدبرني ( هذا التدبير ) « 4 » ، فأوصلت إليه المال . قال " إسحاق بن ( على ) الرهاوي " « 5 » في كتاب " أدب الطبيب " « 6 » . عن " عيسى بن ماسة " « 7 » ، قال : إن " يوحنا بن ماسويه " « 8 » أخبره أن " الرشيد " قال لجبريل بن بختيشوع وهو حاج بمكة « 9 » : يا جبريل ، علمت مرتبتك عندي ، قال : يا سيدي ، وكيف لا أعلم . قال له : دعوت لك والله في الموقف دعاء كثيرا .

--> ( 1 ) ما بين الأقواس ساقط في طبعة مولر . ( 2 ) ساقط في أ ، والإضافة من ك ، ج ، د . ( 3 ) في ك ، أ : " سهولة " ، والمثبت من ج ، د ، والسهوكة : من سهك سهكا ، أي : كانت رائحته كريهة . انظر : المعجم الوسيط ، 1 / 458 . ( 4 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د . ( 5 ) ساقط في أ ، وهو أبو يعقوب " إسحاق بن علي الرهاوي " من أشهر أطباء بغداد في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي ، له كثير من الكتب منها : جوامع من كتب جالينوس ، وكتاب جمع فيه حوادث عصره ، وكناش في تركيب الأدوية ، وأدب الطبيب ، وغيرها . وسوف تأتى ترجمته في الباب العاشر ، انظر في ترجمته أيضا : مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 476 . معجم الأطباء لأحمد عيسى بك : 134 . ( 6 ) في ج ، د " آداب " ، والكتاب مخطوط في مكتبة السليمية بتركيا ، تحت رقم 1685 - في 113 ورقة ، بخط نسخ واضح . انظر : فهرس مخطوطات الطب الإسلامي في مكتبات تركيا : 135 . ( 7 ) من أشهر أطباء القرن الثالث الهجري ، له من المؤلفات : كتاب الرؤيا في معالجة الحوامل ، وكتاب من لا يحضره الطبيب ، وقوى الأغذية ، وكتاب الجماع أو مسائل النسل والذريات . انظر في ترجمته : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 164 ، الفهرست لابن النديم : 590 ، مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 517 . ( 8 ) هو أبو زكريا " يوحنا بن ماسويه " من كبار أطباء الدولة العباسية ، تعلم الطب في جنديسابور ، ورحل إلى بغداد فأقام بها بيمارستانا ، وأمره " الرشيد " بترجمة الكتب القديمة في الطب ، وجعله المأمون رئيسا لبيت الحكمة ، وظل في خدمته ، كما خدم المتوكل من بعده ، وله كثير من المؤلفات ، منها : كتاب البرصان ، وكتاب البصيرة ، والكمال والتمام ، والفصد والحجامة ، وغيرها ، وكانت وفاته سنة 243 ه 857 م . انظر ترجمته : طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل : 65 ، إخبار العلماء بأخبار الحكماء : 248 . ( 9 ) يطلق اسم مكة المكرمة على واد كبير بالجزيرة العربية ، وقد شرفها الله تعالى ببناء البيت الحرام بها ، وبخروج النبي صلّى الله عليه وسلم منها ، كما سكنها إبراهيم وإسماعيل ، عليهم السلام ، وقيل إن آدم ، عليه السلام ، لما أهبط من الجنة بكى لفراقها ؛ فأنزل الله تعالى له خيمة من الجنة نصبت له في مكة ، وضعت في موضع الكعبة المشرفة . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 5 / 210 ، الروض المعطار للحميري : 93 .